الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

57

مختصر الامثل

2 - « وَهَدَيهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ » ، وحفظه من كل انحراف ، لأنّ الهداية لا تأتي لأحد عبثاً ، بل لابدّ من توفّر الاستعداد والأهلية لذلك . 3 - « وَءَاتَيْنهُ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً » . « الحسنة » : في معناها العام كل خير وإحسان ، فتشمل منح مقام النبوة ، مروراً بالنعم المادية حتى نعمة الأولاد وما شابهها . 4 - « وَأَنَّهُ فِى الْأَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ » . ومع أنّ إبراهيم كان على رأس الصالحين في الدنيا ، فإنّه سيكون منهم في الآخرة كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم ، وهذه دلالة على عظمة مقام الصالحين بأن يحسب إبراهيم عليه السلام على ما له من مقام سام كأحدهم في دار الآخرة ، ولِم لا يكون ذلك وقد طلب إبراهيم عليه السلام ذلك من ربّه حين قال : « رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ » . 5 - وختمت عطايا اللَّه عزّ وجل لإبراهيم عليه السلام لما ظهر منه من صفات متكاملة ، بأن جعل دينه عامّاً وشاملًا لما ما سيأتي بعده من أزمان - وخصوصاً للمسلمين - ولم يجعل دينه مختصاً بعصر أهل زمانه ، فقال اللَّه عزّ وجل : « ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرهِيمَ حَنِيفًا » « 1 » . ويأتي التأكيد مرّة أخرى : « وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . وبملاحظة الآيات السابقة يبدو لنا هذا السؤال : إن كان دين الإسلام هو نفس دين إبراهيم وأنّ المسلمين يتّبعون سنن إبراهيم عليه السلام في كثير من المسائل ومنها احترام يوم الجمعة ، فلماذا اتّخذ اليهود يوم السبت عيداً لهم بدلًا من الجمعة ويعطلون فيه أعمالهم ؟ إنّ آخر آية من الآيات مورد البحث تجيب على السؤال المذكور حين تقول : « إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ » . أي : إنّ السبت وما حرّم في السبت كان عقوبة لليهود ، وقد اختلفوا فيه أيضاً ، فمنهم مَن قبله ومنهم مَن أهمله . وتقول بعض الروايات : أنّ موسى عليه السلام دعا قومه - بني إسرائيل - لاحترام يوم الجمعة وتعطيل أعمالهم فيه ، وهو دين إبراهيم عليه السلام إلّاإنّهم تعللوا ، واختاروا يوم السبت ، فجعله اللَّه عطلة لهم ولكن بضيق وشدّة ، ولهذا لا ينبغي الاعتماد على تعطيل يوم السبت ، لأنّه إنّما كان استثنائياً وذا طابع جزائي ، وأفضل دليل على هذا الأمر أنّ اليهود أنفسهم اختلفوا في يومهم

--> ( 1 ) « الحنيف » : بمعنى الذي يترك الانحراف ويتّجه إلى الإستقامة والصلاح . وبعبارة أخرى : يغضّ نظره عن الأديان والأوضاع المنحرفة ويتوجّه نحو صراط اللَّه المستقيم ، الدين الموافق للفطرة ، ولهذا يسمى الصراط المستقيم ، فالتعبير بالحنيف يحمل بين طيّاته إشارة خفيّة إلى أنّ التوحيد هو دين الفطرة .